أحدث الأخبار

الانتخابات التركية والسياسة الخارجية للبلاد

N

بعد أيام قليلة يتوجه ملايين الناخبين الأتراك صوب صناديق الاقتراع لاختيار نواب جدد لبرلمان جديد، بعد أربعة أشهر على آخر انتخابات برلمانية لم تنجح بولادة حكومة ائتلافية أو حكومة حزب واحد.
تحتل هذه الانتخابات المبكرة أهمية كبيرة لأسباب وملفات وقضايا عدة، بعضها داخلي والآخر خارجي، بعضها سياسي، وآخر اقتصادي، وثالث أمني إلى غير ذلك. لكنّ من أبرز القضايا الجدلية التي تؤرق المراقبين وتفتح الباب واسعا لتساؤلات جدية، هي كيفية تأثير هذه الإنتخابات على السياسة الخارجية للبلاد.

لقد انتهجت الجمهورية التركية منذ تولي حزب العدالة والتنمية لمقاليد السلطة عام 2002 سياسة خارجية مختلفة اختلافا جذريا عن ذاك النهج الذي سارت عليه البلاد منذ تأسيس الجمهورية الحديثة عام 1923، ولا سيما تجاه العالم العربي والمحيط، فقد حاولت حكومة “العدالة والتنمية” الخروج من عزلتها وانتهاج سياسة انفتاح على العالم العربي والجوار، وحاولت تصفير المشاكل وبناء جسور التواصل والتصالح مع كل البلدان، كما أبدت تركيا اهتماما بالغا بالقضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، كما ساندت الشعوب الراغبة في الديموقراطية والحرية والساعية لتغيير أنظمتها المستبدة.
مع اقتراب هذه الانتخابات البرلمانية المصيرية بدأت الكثير من الأسئلة الجوهرية تطفو على السطح فيما يتعلق بسياسة البلاد الخارجية وعلاقاتها بالقوى الإقليمية والدولية والجوار في حال لم يتمكن حزب العدالة والتنمية من الحصول على أغلبية تؤهله لتشكيل الحكومة بمفرده.

في الأشهر الأخيرة تردد على ألسنة قادة المعارضة ولا سيما حزب الشعب الجمهوري تصريحات كثيرة تحمل وعودا بإخراج اللاجئين السوريين من تركيا وإعادتهم لبلادهم، وأخرى تعد بإعادت بناء العلاقات مع كل من “إسرائيل” ونظام الأسد ونظام الإنقلاب في مصر، وهي الأنظمة التي ساءت علاقة تركيا بها نتيجة لانتهاكاتها الخطيرة لحقوق الإنسان وقمعها للمدنيين السلميين أو تجاوزها لخيارات الشعوب وللخيار الديموقراطي كما في الحالتين المصرية والسورية.
فكيف ستؤثر الانتخابات القادمة على السياسة الخارجية التركية؟ سؤال طرحه فريق موقع TRT العربية على المحلل السياسي ماجد عزام، الذي رجّح أن لا يحدث تغير جوهري في السياسة الخارجية التركية تجاه كل من سوريا ومصر و “إسرائيل”.

ثلاثة سيناريوهات

قال الكاتب “عزام” أن الذي قد يؤثر على تلك السياسة التركية هو نتيجة الانتخابات وليس الانتخابات ذاتها، مشيرا إلى أن القضية السورية تعتبر القضية الأولى في السياسة الخارجية التركية، لأنها لم تعد تعتبر قضية خارجية بالنسبة لتركيا بل شأنا داخليا، لشدة ارتباط هذه القضية بالاستقرار داخل تركيا.

ورسم الكاتب “عزام” ثلاثة سيناريوهات فيما يتعلق بنتائج الإنتخابات وما يترتب عليها كما يلي:
1- أن يحسم حزب العدالة والتنمية الإنتخابات بحصوله على أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده، وفي هذه الحالة لن يطرأ تغير كبير فيما يتعلق بالسياسة الخارجية التركية، وخصوصا تجاه سوريا، لكن ستتعرض تركيا لضغوط كبيرة بسبب التدخل الروسي الذي اقترب من “حالة إحتلال” وكذلك بسبب الدعم الأمريكي للأكراد، ومساندتهم المباشرة أو غير المباشرة في خططهم الإنفصالية.
2- أن يحصل حزب العدالة والتنمية على نتيجة قريبة جدا من الحسم، وليس أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة، أي أنه– خلال هذا السيناريو- سيَنقص العدالة والتنمية أرقام بسيطة جدا، وسيتمكن حينها من التفاهم مع بعض المرشحين المستقلين، وبناء عليها سيتمكن من تشكيل الحكومة، وفي هذه الحالة ستكون الحكومة تقريبا حكومة “عدالة وتنمية” شبه كاملة، وهنا أيضا لن تشهد السياسة الخارجية تأثيرا يذكر.
3- أما السيناريو الثالث فهو أن يحصل “العدالة والتنمية” على نتيجة مشابهة للنتيجة التي حصل عليها في آخر انتخابات جرت في 7 حزيران 2015، وهنا سيضطر إلى تشكيل حكومة ائتلافية، مع حزب الحركة القومية على الأرجح، لأن توجه حزب الحركة القومية في الكثير من القضايا الخارجية قريب لتوجه العدالة والتنمية.

وأشار عزام إلى أن تركيا “العدالة والتنمية” ستستمر في دعم القضية الفلسطينية سياسيا، وأنها ستدعم الرئيس محمود عباس والكل الفلسطيني ولا سيما في المحافل الدولية، وربما يحدث هناك بعض التحسن في العلاقة مع النظام المصري أو حتى إسرائيل وفقا للشروط التركية، أما المسألة السورية فلا تحتمل “تركيا العدالة والتنمية” أي تغيير في سياستها تجاهها، لأن لتركيا مصالح كبيرة في سوريا وليس من السهل التنازل أو تغيير الموقف القديم المطالب بإسقاط الأسد وتمكين المعارضة المعتدلة.

لكن في حال اضطر “العدالة والتنمية” للتحالف مع حزب الشعب الجمهوري، صاحب المواقف ووجهات النظر القريبة جدا من الموقف الأمريكي والأوروبي، والروسي أيضا تجاه سوريا فإن هذا التحالف سيؤثر لا محالة على السياسة التركية تجاه سوريا، وربما سيسعى “الشعب الجمهوري” من خلال وجوده في الحكومة إلى إعادة ترميم العلاقة مع إسرائيل والنظام المصري، وكذلك مع نظام الأسد، الذي لا يرى في إزاحة عن الحكم شرطا لحل الأزمة السورية.

ولخص “عزام” حديثه بأن اضطرار “العدالة والتنمية” للتحالف مع حزب الشعب الجمهوري سينتج عنه تغيرا في السياسة الخارجية التركية سواء قل هذا التغير أم كثر، وغير ذلك فإن تغيرا جوهريا لن يكون، على حد قوله.

TRT العربية