أحدث الأخبار

“الجيل الداعشي” .. أطفال بعقلية “الأخ الأكبر”

الأخ

ما تنبأ به الكاتب البريطاني، جورج أوريل، في روايته الشهيرة “1984” الصادرة سنة 1949، لم يكن حكرا على تلك الحقبة من الزمن، بل يسري رصدها على ما يحصل سنة 2015 في العالم العربي.

الأطفال في رواية أورويل، قبل أن يعرفوا أسماء والديهم، يتعلمون مبادئ “الحزب الوحيد” الذي يقوده “الحاكم الوحيد” أو “الأخ الأكبر” كما تسميه الرواية. أيضا وفي مشهد منها، يحاول فيه مشرف من الحزب غسل دماغ مجند وتلقينه التفكير المزدوج، كتب أورويل “اثنين واثنين، أحيانا يساو  يان أربعة وأحيانا أخرى يساويان خمسة، وقد يساويان ثلاثة أيضا، وفى أحيان أخرى يساويان أربعة وخمسة وثلاثة فى آن معا. يجب أن تحاول بمزيد من الجدية والجهد، فليس من السهل أن تصبح سليم العقل”.

هذه التنشئة منحت لندن في الرواية، مليشيات مضمونة التوجيه، وهو ذات المنطق الذي اعتمده على أرض الواقع النازي أدولف هتلر، ومارسه في قرون سابقة شعب التتار، ويعمل به حاكم كوريا الشمالية الحالي، كم جونغ أون، وهو الذي يعزى إليه استئثار الديكتاتوريات العربية بالحكم، قبل أن يطيح بعدد منها الربيع العربي. كذلك تمارسه الجماعة الإرهابية “بوكو حرام” في تشاد، وميليشيات أفريقية عدة في بلدان أخرى، لكن أخطر أشكال عقلية وتنشئة الولاء لـ “الأخ الأكبر” هي تلك التي يمارسها تنظيم داعش الإرهابي، في كل من العراق وسوريا.

حسب اللجنة السورية لحقوق الإنسان، فقد جند التنظيم الإرهابي في سوريا لوحدها أزيد من 800 طفل تحت سن الـ18، وفي العراق أوردت “شبكة إعلاميي نينوى” أن داعش جند 30 طفلاً من شيعة البلاد كان قد اختطفهم في 17 يوليو/ تموز العام الماضي، من تلعفر، في أحد معسكرات التدريب التابعة للتنظيم على حدود الموصل الجنوبية، انضافوا إلى 50 طفلا شيعيا آخرا و45 طفلا من الأيزيديين يحتجزهم في “دار الأيتام” بقضاء سنجار غرب الموصل، بعد أن سبى أمهاتهم وشقيقاتهم، وذبح آبائهم وإخوانهم، في أغسطس/ آب العام الماضي.

هذه الأرقام تتحدث الشبكات الحقوقية في العراق، عن تناميها خلال الجزء الأخير من 2015 وبلوغها المئات، حيث عمد التنظيم الإرهابي إلى إغراء العائلات الفقيرة في الفلوجة والرمادي بالأنبار غرب البلاد، براتب شهري يقدر بنحو 1400 دولار أمريكي مقابل الطفل الواحد، كما تنقل وسائل إعلام عراقية، وتسجل عائلات خاضعة لسلطة داعش في الموصل، أبنائها بمدارسه للتشبع بفكره الإرهابي “الجهادي” كما تسميه.

الأطفال بحوزة تنظيم داعش الإرهابي، يمرون جميعهم من هذه المدارس، وفي فيديوهات يتفنن التنظيم في إخراجها، يتوضح أنه في شق نظري، تضم مناهج داعش الدراسية، منذ المرحلة الابتدائية، العلوم الشرعية بالطريقة التي تخدم فكر التنظيم، أي تلك التي تشدد على أن “من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية” (البيعة للتنظيم وخليفته/الأخ الأكبر هنا) فيما تخضع الأطفال في شقها التطبيقي، لتدريبات عسكرية قاسية لا تتناسب مع أعمارهم، تشمل حمل الكلاشينكوف، وخوض الاشتباكات، ليتدربوا في مراحل لاحقة على اختراق المجتمعات، وإن كنت قد شاهدت فيلم “سولت/SALT” المنتج سنة 2010 في الولايات المتحدة الأمريكية، وأدت دور البطولة فيه الممثلة أنجلينا جولي، ستعرف بالتحديد كيف يمكن لطفل أن يتحول إلى قنبلة بشرية مزروعة في المجتمعات، لا يمكن أن تشك فيها على الإطلاق، موجهة بدقة منذ صغرها وتتسبب في مقتل الآلاف.

وما نقلته “شبكة إعلاميي نينوى” عن أحد الصبية المقبوض عليهم بواسطة عناصر الأمن العراقية ويبلغ من العمر الـ 17 عاما، عن اعتزامه القيام بتنفيذ عملية هجوم انتحارية في العراق، وقوله إن الانتحاريين القادمين أعمارهم ما بين 13 و15 سنة من العمر، مثال حي عن هذه القنابل البشرية التي يعدها داعش الإرهابي.

وفي تحليلها للوضع تقول استشارية الأسرة والصحة النفسية، رسمية علي فهمي، في تصريح لـ”TRT العربية” إن “عقول الأطفال كما الإسفنجة، قابلة لامتصاص كل ما يلقن لهم، والسيطرة عليهم سهلة أكثر من غيرهم، وتلعب طريقة التلقين مع الإقناع بأن هذا ما يريد الله، وتناغم الملقن مع الأطفال، دورا كبيرا في التأثير، ما يجعل الغلبة للمدرسة عن الأسرة في حال وجودها”.

ومن التأثير والتلقين تنتقل الاستشارية النفسية لتحليل “صناعة الجيل الدموي/الداعشي” كما تصفه قائلة إن “يتحول الطفل إلى شخصية سيكوباتية كارهة للمجتمع ولمن حولها، تؤمن بالولاء لما لقن لها، فيصبح القتل هينا حتى بالنسبة لطفل”.

من جهته يرى الكاتب والمحلل السياسي مطيع البطين، في حديث مع “TRT العربية” أن “صناعة الإرهاب تأتي من القمع، والحكومات التي تعاقبت على العراق تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية في وصول البلاد للوضع الحالي” مضيفا أن داعش “يمضي في صناعة جيل دموي، خطر ليس فقط على العراق أو سوريا”.

هذه الحكومات، تبدو تصريحات صادرة عنها، غير كافية وهي تعبر عن القلق من وضع الطفولة في العراق، في إطار سعي تنظيم داعش الإرهابي لتجنيدهم، كتلك التي قالها وزير الخارجية ابراهيم الجعفري، خلال لقائه مع ممثـلة الأمين العام لشؤون الأطفال في النزاعات المسلـحة، ليلى زروقي.

وتعقيبا على تصريح آخر للجعفري في ذات اللقاء، قال فيه إن “تجنيد الأطفال في العراق من قبل عصابات داعش، مشكلة ينبغي وضع حلول جادة لمعالـجتها، والحكومة العراقـية ماضية في إنهاء هذه الظاهرة، ونحن نتعامل مع الطفولة بحرص وعناية كبيرة” قال المحلل السياسي مطيع البطين إن “على العراق الذهاب إلى ما هو أبعد من تجريم تجنيد الأطفال، أو توقيع اتفاقيات أممية في هذا الشأن، عليها خلق فكر ديني معتدل، فالوضع الديني فيها لا يقل تشددا عن ذلك السائد في سوريا الآن”.

وتلح العودة إلى رواية جورج أورويل، فالوضع العربي المؤسف يقول ما أتى فيها “إن الهدف من الاضطهاد هو الاضطهاد، والهدف من التعذيب هو التعذيب وغاية السلطة هى السلطة”.

فاطمة سلام-TRT العربية