أحدث الأخبار

اللعب بالورقة اليونانية ضد “غصن الزيتون”

Zeytin Dalı Harekatı
قال باحثون وأكاديميون إن الأزمة الأخيرة بين تركيا واليونان في مياه بحر إيجه ما هي إلا رسالة من القوى الغربية تفيد بامتلاكها ما تعتبره ورقة ضغط جديدة على أنقرة، عبر قدرة تلك القوى على إثارة الفوضى في بحر إيجه وجزيرة قبرص.

وفي 28 يناير الماضي، منعت قوات خفر السواحل التركية زورقًا عسكريًا على متنه وزير الدفاع اليوناني، بانوس كامينوس، من الاقتراب من جزر “كارداك” الصخرية التركية في بحر إيجه، لوضع إكليل من الزهور. وذهب باحثون وأكاديميون، في أحاديث منفصلة مع الأناضول، إلى أن القوى الغربية المناهضة للعملية العسكرية التركية في منطقة عفرين شمالي سوريا لجأت إلى استخدام اليونان كورقة ضغط جديدة على أنقرة.

ويواصل الجيشان التركي و”السوري الحر”، منذ 20 يناير/ كانون الثاني الماضي، عملية “غصن الزيتون” ضد المواقع العسكرية لتنظيمي “ب ي د/ بي كا كا” و”داعش” الإرهابيين في عفرين، مع اتخاذ التدابير اللازمة لتجنيب المدنيين أية أضرار.

وفق البروفيسور التركي، طيّار أري، رئيس قسم العلاقات العامة بكلية العلوم الاقتصادية والإدارية في جامعة أولوداغ، فإن “الأزمة نابعة من إرادة القوى الدولية بدرجة أكبر من كونها نابعة من إرادة اليونان”، متابعًا أن “توقيت التوتر، عشية زيارة وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون (لأنقرة)، ليس من قبيل الصدفة.. إنها رسالة من القوى الغربية حول امتلاكها ورقة ضغط جديدة على تركيا، وأنها قادرة على إثارة الفوضى في إيجه وقبرص”.

ولفت إلى وجود ورقة ضغط أخرى بيد الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وهي الأزمة الأرمنية، موضحًا أن “التحركات على صعيد الأزمة الأرمنية قد تكون ضعيفة نوعا ما، بسبب استمرار تعاون تركيا مع روسيا في هذا الشأن وأهمية مستقبل أرمينيا بالنسبة لموسكو”. واستطرد: “لكن من جهة أخرى قد تستخدم الولايات المتحدة ورقة الشتات الأرميني، كما تمتلك واشنطن ورقة أخرى تستخدمها حاليا، وهي ورقة تنظيم ب ي د/ بي كا كا الإرهابي، وعليه فإنها لا تمتلك أوراقا كثيرة ضد تركيا، لكنها تحرك الأوراق الحالية التي بين يديها”.

وشدد أري على أن “التاريخ اليوناني شهد، بسبب الدعم الخارجي، تجارب أليمة كثيرة، فاليونانيون يتذكرون جيدا كيف تراجع الغرب عن دعمهم، وتركهم يغرقون في البحار بعد دفعهم إلى ساحات القتال”. واستطرد: “عندما تدخل الأزمات مرحلة جدية لا يموت شخص من أجل آخر، إن كان لديك جيش تزج به في المعركة، وإن لم يكن لديك تتعرض لخيبة أمل في الحروب التي تبدأها معتمدًا على دعم جيوش أخرى”. ومضى قائلا إن “التاريخ العالمي واليوناني مليء بهذه الأمثلة، ففي عملية السلام التركية بقبرص عام 1974، لم تقلع الطائرات البريطانية المتمركزة في جنوب قبرص، خشية أن تسقطها تركيا، رغم أن الجيش التركي كان يعتمد بشكل أساسي على الخارج في تأمين احتياجاته العسكرية آنذاك”. وأضاف أن “المعدات العسكرية المحلية في الجيش التركي حتى عام 2000 لم تكن تتعدى الـ20%، لكن بعد تولي حزب العدالة والتنمية الحكم، عام 2002، بلغت نسبة الصناعات الدفاعية في الجيش 70%”.

وقال إنه “بناء على ما سبق، يدرك الجميع أن تركيا اليوم ليست تركيا في أعوام السبعينيات والثمانينيات (من القرن الماضي)، بينما اليونان دولة غارقة في الديون، فإن منحتها أوروبا السلاح تشن الحرب، وإن لم تفعل تضطر إلى المحاربة بالعصي”. وأردف أن “اليونان غير قادرة على التقدم في هذه المغامرة بالاعتماد على الولايات المتحدة والغرب.. واشنطن لجأت إلى استخدام ورقة اليونان لإجبار تركيا على القبول بمسألة ب ي د”.

وشدد على أن “اليونان تدرك قوة الجيش التركي في إيجه، فليس هناك قوة يمكنها مجابهة تركيا في هذا البحر، وفي حال نظرت اليونان إلى تاريخها في آخر 100 عام، ستجد أن أوروبا تركتها وحيدة على الدوام، وكثيرا ما تراجعت اليونان عند تأزم الأمور، بينما تتمتع تركيا بموقف قوي في إيجه وقبرص”.

بدوره، قال الكاتب التركي، حسن بصري يالتشين، عضو هيئة التدريس في قسم العلوم السياسية والعلاقات العامة بجامعة إسطنبول التجارية، للأناضول، إنه “لا يمكن اختبار قوة تركيا عبر افتعال أزمة في إيجه، في وقت تكثف فيه أنقرة عملياتها في عفرين”. وأضاف يالتشين، وهو رئيس قسم الأبحاث الاستراتيجية في مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (سيتا) بأنقرة، أن “تركيا لم تدفع بكافة قواها العسكرية في عملية عفرين، بل تخوض العملية بعدد محدود من عناصرها وقواتها الخاصة، بينما تمتلك في الواقع قواتا وجيوشا متعددة ومتنوعة”.

وشدد على أن “اليونان ودولا أخرى تعتقد أنه بإمكانها استغلال فرصة انشغال تركيا في عملية غصن الزيتون، لكن بالنظر إلى طبيعة هذه الفرصة نجد أنها لا تحمل أهمية كبرى”. ولفت إلى أن “اليونان تحاول منذ سنوات شن مناورات صغيرة في بحر إيجه لإثارة أزمات، وكان أبرزها أزمة كارداك في تسعينيات القرن الماضي، وهذا النوع من التوترات بين البلدين مألوف جدا”. ورأى يالتشين أن “اليونان ربما تريد انتهاز فرصة التوتر بين تركيا والغرب.. ليس هناك دولا أخرى دفعت باليونان إلى إثارة الأزمة الأخيرة.. دول مثل الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا لم تنسق مع اليونان في إثارة الأزمة”.

ومضى قائلا: “الولايات المتحدة تتعرض لمشاكل عديدة، ولا أظن أنها تريد مواجهة في إيجه بين حليفين في (حلف شمال الأطانطي) الناتو.. ربما تريد روسيا ذلك، لكن بالنظر إلى إطار علاقاتها مع تركيا واليونان، فهي ليست قادرة على افتعال هذه الأزمة بين البلدين”. وتابع: “أما الاتحاد الأوروبي فغير قادر على فعل شىء حاليا سوى الانشغال بنفسه.. يبقى أمامنا خيار ألمانيا، لكنني أعتقد أنها لا تمتلك سياسة ضاغطة في هذا الشأن”.

وأشار إيمره أوزان، مستشار السياسة الخارجية التركية في معهد أبحاث أنقرة (أنكاسام) إلى وجود توترات بين تركيا واليونان على خلفية التنقيب عن البترول والغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض وأزمة اللاجئين، معتبرًا في حديث للأناضول، أن “بدء اليونان بهذه الأزمة في وقت تكثف فيه تركيا تركيزها على عملية عفرين يعتبر تطورا متوقعا”. وبشأن احتمال وقوف دول غربية خلف هذه الأزمة، أجاب بأن هذا الأمر غير مؤكد، لكن وارد على الدوام. ومضى قائلا إن “عملية عفرين لا تحظى بتأييد بعض الأطراف، وبناء عليه يمكن لبعض الدول في المنطقة والعالم أن تستغل الورقة اليونانية ضد تركيا”.

وأضاف أن “تركيا تنفذ عملية غصن الزيتون بالتنسيق مع روسيا، لكن الأخيرة لا تريد أن يتوسع نطاق العملية وتستمر فترة طويلة”. وختم بقوله: “وبالتالي من المنتظر أن تقوم حتى الدول الحليفة لتركيا في هذه العملية، بحملات من شأنها تضييق نطاق العملية وقطع الطريق أمام امتدادها، وعلى رأس هذه الدول روسيا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، حيث أعلنت ألمانيا خاصة دعمها لليونان مؤخرا”.

TRT العربية – وكالات