أحدث الأخبار

تقسيم ..عش الجمال والموسيقى والحياة في إسطنبول

تقسيم

أيا من كان زائر مدينة إسطنبول في تركيا، فإنه سيمر بميدان تقسيم، إن لم يكن لأن صيته كمنطقة سياحية شهيرة قد وصله، فلأن الرحلة إلى المدينة لا تكتمل دون جرعات البهجة التي يمنحها المكان.

فعليا كل الطرق تؤدي إلى تقسيم، فهو محطة “ميترو إسطنبول” الرئيسية، وهو أقدم نفق مترو في العالم بعد مترو أنفاق لندن، وفيه تجتمع التحركات وتتفرق، فيما يجعل قربه وسلاسة الوصول إليه، الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تدور حوله.

يقع الميدان في القسم الأوروبي من مدينة إسطنبول، تحديدا في منطقة “بويولو” وسمي بـ”تقسيم” لأنه كان مركزا لتوزيع وتقسيم إمدادات المياه في العهد العثماني.

في القرن الـ19 بنى السلطان العثماني “سليم الثالث” قلعة تشرف على ميدان تقسيم، حملت عمارتها ملامح هندية وروسية، واستعملت كثكنة عسكرية، لكنها هدمت بالكامل سنة 1940 بعد عزل السلطان “عبد الحميد الثاني” وعوضت بمنتزه حمل اسم “غازي” مازال يعتبر إلى اليوم  رئة حيوية في المدينة.

لدى وصولك إلى الميدان، يقابلك نصب دشن سنة 1928، يحيي ذكرى تأسيس الجمهورية التركية سنة 1923على يد مصطفى كمال أتاتورك، وهناك اعتادت بلدية إسطنبول أن تحتفي بالأحداث الكبرى كيوم الجمهورية وليلة رأس السنة، أو تضع شاشات كبيرة لمشاهدة مباريات كرة القدم المهمة.

سائحان يلتقطان صورة مع النصب التذكاري وسط تقسيم
سائحان يلتقطان صورة مع النصب التذكاري وسط تقسيم

حول النصب تتوزع أسراب الحمام، تأخذ الحب من الزوار، تحط وتطير ثم تعود لتتهادى دون خوف من أقدام المارة. وتقود الحركة حول النصب إلى شارع “الاستقلال” الرئيسي، وعلى امتداده تتوزع على الجانبين المحلات التجارية ومعظمها علامات عالمية وتركية، وتقدم خيارات المطاعم المختلفة المطبخ التركي والشامي والعالمي.

ويقطع خط ترام عتيق الشارع، هو ليس كبقية خطوط الترام السريعة المعروفة، بل خط متمهل وكلاسيكي، بعربة حمراء ذات أبواب سوداء مشغولة، ووجود هذا الخط في الميدان حيوي في جماليته، ومفيد أيضا إن أردت عبور شارع الاستقلال ركوبا.

ترام شارع الاستقلال
ترام شارع الاستقلال

في تقسيم لا تجرب المشي فقط، ومحلات أكل مختلفة، وأماكن تبضع زاخرة، وتلتقي أتراكا ووجوها من جنسيات متنوعة، بل تسمع الموسيقى وتشاهد استعراضات، وترقص أيضا إن أحببت، فعلى امتداد شارع الاستقلال، اختار هواة أن يجعلوا من جنباته منصة لمواهبهم، ما يعني أنه بإمكان أيّ كان أن يتخذ مكانا من الشارع، وقوفا أو في ما يشبه “البسطة” الصغيرة، ويقدم عرضا حيا للمارة، وكل يتوقف عند من يستهويه.

ليس الأصل في الأمر أن من يختارون هذه الطريقة للعزف أوالغناء أو الرقص أو تقديم حكايا أو غيرها، هم عاطلون عن العمل أو فقراء محتاجون، بل إن طلبة جامعيين وموسيقيين خبيرين، اختاروا أن يجربوا التفاعل الحي مع الجمهور، والحصول على ردات فعل غير منمقة بل مفاجئة، كأن لا يتوقف عندك أي من المارة، أو يستمع لك أشخاص عن بعد، أو تبدأ مجموعة ما في الرقص إلى جانبك ومشاركتك تجربتك الفنية.

من عروض تقسيم الحية
من عروض تقسيم الحية

التوثيق أمر مهم في تقسيم، كل ما تراه سيثير شهية التقاط الصور لديك، بدءا من عصافير الزرزور التي بنت أعشاشها على أقدم الأشجار خارج المركز الثقافي الفرنسي في بداية شارع الاستقلال، وتحلق عشية في لوحات طيران جماعي مذهلة، إلى عربة الترام التي يتنافس الصبية على التعلق بها في شغب جميل، يغريك أحيانا بالتخلي عن وقارك ومشاركتهم خطف شهقة مرح من الحياة، وصولا إلى تسجيل الموسيقى التي تنبعث من الحلقات هنا وهناك.

ولأن تقسيم واسع الأرجاء، يمكنك أن تخوض تجربة الالتفاف بين أزقته المرصوفة بالأحجار، تضيق حينا وتتسع حينا آخر، وجميعها تفاجئك بالبيوت ذات العمارة العتيقة التي تبدو نوافذها وشرفاتها دافئة ومرحبة، وبالمقاهي الصغيرة المؤثثة بذوق، التي تدعوك إلى الاستراحة على كراسي القش أمام طاولات قصيرة، وشرب كأس شاي تركي ولسان الحال: عش الجمال واحيا.

فاطمة سلام-TRT العربية