أحدث الأخبار

جولات الخارجية في الجامعات الدولية .. كيف تعمل ماكينة الدعاية الاسرائيلية

نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي، تسيبي حوتوفيلي
نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي، تسيبي حوتوفيلي

قبيل توجهها إلى الولايات المتحدة، حزمت نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي، تسيبي حوتوفيلي، ذخائرها والتي لم تكن سوى نسخ من 4 كتيبات في حقيبتها، لتكون لاحقاً، جزءًا من مهمتها الحيوية في مدينة نيويورك.

وتجول حوتوفيلي النائبة عن حزب الليكود (يمين- وسط) في ثلاثة من أهم الجامعات الأمريكية، كولومبيا، ونيويورك في الولاية التي تحمل اسم الأخيرة، وبرنستون في ولاية نيوجيرسي.

لا تحتاج حوتوفيلي في مهمتها إلى أسلحة حقيقية، فحربها أساسها الكلمات، أو كما يقول اللغوي والمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي “الدعاية بالنسبة (للأنظمة) الديمقراطية هي كالهراوة بالنسبة (للأنظمة) الشمولية”.

لكن ماهو محتوى الكتيبات الأربعة التي حملتها؟ 

يحاول الكتيب الأول ويدعى “السعي من أجل السلام”، لي الحقائق، عن طريق اتهام العرب بأنهم “البادئون بالعدوان وأنهم فرضوه على إسرائيل”.

يقفز هذا الكراس على الحقائق متجاوزاً العديد من الحقائق مثل التهجير القسري للفلسطينيين، ومجازر مثل كفر قاسم والعدوان الثلاثي على مصر، ومذابح صبرا وشاتيلا، واحتلال لبنان، والقائمة تطول.

يتجاوز الكتاب كل هذا ليقفز مباشرة إلى المصالحة والتطبيع مع مصر بعد معاهدة “كامب ديفيد” التي وقعها الرئيس المصري الراحل أنور السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عام 1978.

يتجاهل الكتاب الذي يسكن حقيبة حوتوفيلي، حقيقة أن مبادرة السلام هذه كان الرئيس المصري من بدأها بزيارة إسرائيل.

يتجاهل أن إسرائيل وضعت شروطا للتفاوض، تمثلت في أنها لن تعود لحدود عام 1967، ولن تعترف بالدولة الفلسطينية، ولن تقبل بإجراء اتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية، كل هذا قبل حتى أن يضع السادات قدمه في مطار بن غوريون في ذلك اليوم التشريني من عام 1977.

في الكتيب الثاني، “أعجوبة إسرائيل”، يطرح الكاتب إسرائيل كأرض للأحلام، فهو يقول في أحد المقاطع “إسرائيل اليوم هي ديمقراطية مزدهرة ومنفتحة وخليط ثقافي، من النوع الذي يشارك، روحيتها المتقدمة مع العالم”.

تحاول الخارجية الإسرائيلية، التي طبعت هذا الكتيب الدعائي، دغدغة مشاعر الشباب الغربي، بالحديث عن الديمقراطية والانفتاح والتقدم الثقافي، عن طريق الحديث عن الجانب الانتخابي فقط.

صحيح أن إسرائيل ديمقراطية في اختيارها لحكومتها، تلك حقيقة، لكن يغفل “أعجوبة إسرائيل” طرح أسلوب التعامل مع عرب إسرائيل، الذين تسلبهم تل أبيب هويتهم، والمعرضين للمساءلة أينما حلوا.

ولا يحتوي الكتاب كلمة عن طوابير الانتظار الطويلة على المعابر الحدودية، ولا عن اجتياحات غزة، ولا طوابير الجثث فيها عقب حرب او احتلال الأراضي الفلسطينية، أو حتى عن العنصرية التي يعامل بها المجتمع الإسرائيلي بعض فئاته، يهود الفلاشا مثلا.

وتقدم حوتوفيلي، طرحا مثيرا يربط السياسي بالعقائدي، لشرعنة قيام الدولة العبرية، ودغدغة مشاعر المسيحيين، من خلال اقتباس عبارات توراتية تصف إسرائيل بـ”أرض المعجزة المستمرة”، باعتبار أنها وعد الإله إلى نسل إبراهيم بالعودة إلى أرض صهيون.

وفي أكثر من مرة روجت نائبة وزير الخارجية الاسرائيلي، نفسها لهذا الطرح، بينها في مقابلة مع الإذاعة الرابعة لشبكة بي بي سي الإخبارية البريطانية، بقولها “حتى سبب اعتراف اللورد بلفور بوجود رابط (بين اليهود والأراضي الفلسطينية)، هو أنه مسيحي، ويعرف ما في الإنجيل، وهو يعلم أن ارتباط الشعب اليهودي بهذه الأماكن يعود إلى آلاف السنين”.

في الكتيب الثالث، “المستوطنات اليهودية”، يهاجم المؤلف دعاوى القدح بشرعية الوحدات السكنية التي يبنيها المستوطن الإسرائيلي على الأراضي الفلسطيني دون محاولة دعم إدعاءاته بالادلة والنصوص.

وهو يقول “محاولة وصم الحضور اليهودي في يهودا والسامرة القديمتين (الضفة الغربية) على أنه غير قانوني واستعماري، يعني تجاهل تعقيد هذه المسألة، وتأريخ الأرض، والظروف القانونية الفريدة لهذه القضية”.

بينما يحاول الكتيب الرابع، “قرن من الإرهاب”، وضع إسرائيل في دور الضحية التي يتآمر عليها كل المحيطين بها، فهو يعمد في سبيل ذلك إلى استخدام صورة مجتزأة من سياقها التأريخي، كما هو الحال في صورة مفتي الديار الفلسطينية أمين الحسيني وهو يجلس إلى جانب هتلر، دون تفسير الحقبة التي حدثت خلالها، حيث كانت بريطانيا وفرنسا، وليست ألمانيا، من يسيطران على أجزاء واسعة من المنطقة آنذاك.

تتمحور مهمة المسؤولة الإسرائيلية والتي واجهت تحدياً واسعاً داخل الجامعات الأمريكية الثلاثة، حول حركة فلسطينية عالمية تدعو إلى محاصرة إسرائيل عن طريق “المقاطعة، سحب الاستثمارات، وفرض العقوبات”، أو كما يشار إليها باللغة الإنجليزية “بي دي إس”.

هذه الحركة التي بدأت بالتنامي عالمياً، دفعت إسرائيل، إلى التصدي لها بشكل مباشر، بعد أن أحست بخطر الحصار الذي يمكن أن يفرض على منتوجاتها وبضائعها (خاصة المصنعة داخل المستوطنات) بل وحتى الاستشمارات.

وفي فيلمه الوثائقي “احتلال العقول الأمريكية، حرب العلاقات العامة الإسرائيلية في الولايات المتحدة”، يغوص أستاذ الاتصالات في جامعة ماساتشوستس، الدكتور سوت جالي، في أعماق آلة الدعاية الإسرائيلية المستخدمة، في تشكيل الرأي العام الأمريكي المؤيد لتل أبيب.

يقول جالي “كل هذا لم يحدث عن طريق الصدفة (بناء إسرائيل لماكينتها الدعائية)، بل كان نتيجة لجهد مخطط له لتشكيل التصورات الأمريكية للنزاع (بين الفلسطينيين والاسرائيليين)، وهو جهد دعائي بدأت بالتشكل الفعلي باجتياح إسرائيل للبنان (1982)”.

وطبقاً للفيلم نفسه، فإن اندفاع إسرائيل عبر الحدود اللبنانية تسبب في “ظهور رواية مختلفة (للصراع الإسرائيلي الفلسطيني)، نوع قدم إسرائيل على أنها المعتدية”، ومن هنا انطلقت الآلة الدعائية لغسل اسم إسرائيل.

ودفعت السمعة السيئة لإسرائيل والتي تناقلتها وسائل الإعلام الأمريكية في أعقاب مجزرة صابرا وشاتيلا في سبتمبر / أيلول 1982، “مؤتمر اليهود الأمريكيين، إلى رعاية مؤتمر في القدس لوضع استراتيجية علاقات عامة رسمية، تعرف بالعبرية باسم، هاسبارا (بالإنجليزية بروباغندا، أو دعاية)”، بحسب الوثائقي الذي انتجته شركة “ميديا فاونديشن إديوكيشن” التي يمتلكها الدكتور جالي.

وأشار الفيلم الذي تم عرضه في سبتمبر/ أيلول الماضي إلى أن المؤتمر ضم متخصصين في العلاقات العامة والإعلانات وصحفيين وخبراء إعلاميين وقادة “لجماعات يهودية كبرى”.

وينقل عن مدير شركة إعلانات باسم مارتن فينتون، كان حاضراً المؤتمر قوله “عليكم مواجهة الحقيقة، نحن في لعبة تغيير عقول الناس، وجعلهم يفكرون بطريقة مختلفة، ولنفعل ذلك، علينا استخدام البروباغاندا”.

ترأس المؤتمر رجل إعلانات اسمه كارل شبيلفيغل، وهو شخصية عرفت خلال السبعينيات، جراء قيادته لحملة ساهمت في زيادة شعبية نوع من مشروب الجعة الكحولية باسم “ميلر لايت” والتي كانت توصف بإنها جعة نسائية، لتصبح مشهورة بين الرجال بعد قيادة شبيلفيغل لها.

وبحسب جالي، سرعان ما جاءت النتيجة بعد المؤتمر، عبر طريقة تعاطي المسؤولين الإسرائيليين مع غزوهم لبنان “كما لو أنه ليس موجوداً على الاطلاق، عن طريق تأطير كل الفلسطينيين على أنهم إرهابيين والعدوان الإسرائيلي على أنه دفاع عن النفس”.

وبحسب المؤرخ الأمريكي الفلسطيني والأستاذ في جامعة كولومبيا رشيد خالدي، الذي يتحدث خلال الفيلم نفسه، فإن ما تلا ذلك من تغيير في الاستراتيجية الإسرائيلية في التعامل مع الأزمة الفلسطينية بات يدور في الفلك التالي “مهما فعل الفلسطينيون فسيتم رسمه على أنه عنف غير مبرر ضد اليهود أساسه نوع بدائي من معاداة السامية”.

وطبقاً لمديرة معهد دراسة السياسات، فيليس بنيس، فقد تحول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من صراع يتمحور حول الأرض إلى كراهية اليهود.

وتقول بنيس في هذا الصدد “صار الأمر وكأنه لم يكن ابداً حول الأرض بأي شكل من الأشكال، لقد تم طرحه جانباً بطريقة ما، لم يعد الأمر (في الدعاية الاسرائيلية) يتعلق بالمستوطنات، لقد أصبح بشكل مستمر عن (كون الفلسطينيين) يكرهوننا فقط لأننا يهود”.

TRT العربية – وكالات