أحدث الأخبار

روسيا تُسوّق نفسها كشريك استراتيجي جديد للشرق الأوسط

وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف
وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف

في أواخر الصيف، قام وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بجولة في الشرق الأوسط، زار خلالها دولًا خليجيةً إلى جانب الأردن.

وجاءت هذه الزيارات في الوقت، الذي تأمل فيه موسكو في إعطاء دفعة أخيرة لترسيخ فكرة مناطق خفض التصعيد في سوريا، وإعادة تنشيط الحوار السياسي.

واتفقت الدول الضامنة تركيا وروسيا وإيران، في النسخة الرابعة من اجتماعات أستانا بكازاخستان، يومي 3 و4 مايو/أيار الماضي، على تشكيل مناطق خالية من الاشتباكات، أو كما باتت تعرف بمناطق خفض التصعيد أو التوتر بسوريا.

ومع ذلك، لم تكن الحرب في سوريا هي وحدها التي جلبت لافروف إلى الشرق الأوسط، فمع تكثيف روسيا لجهودها الرامية إلى إعادة عودتها إلى المنطقة، فإنها تواصل البحث عن فرص جديدة لجعل بقاءها هناك ذا صلة بالأحداث أيضًا.

ولتحقيق هذه الغاية، بذلت موسكو محاولة حذرة لتسويق نفسها كوسيط في الصدع بين دول مجلس التعاون الخليجي، وربما تستطيع في نهاية المطاف الاتفاق على زيارة رسمية من جانب العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى روسيا.

وتعصف بالخليج أزمة بدأت في 5 يونيو/حزيران الماضي، إثر قطع كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر بدعوى “دعمها للإرهاب”، وهو ما تنفيه الدوحة بشدة.

ووصلت الحرب السورية إلى منعطف حرج بسبب محدودية سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على الأراضي، الأمر الذي يفرض نفسه في محاولات جديدة للحوار السياسي، وقد كسر الجيش السوري حصار دير الزور الذي دام 3 سنوات، وهو يزحف الآن ضد داعش.

وفي 5 سبتمبر/ أيلول الجاري، أعلنت قوات النظام السوري المدعومة جوًا من روسيا وبرًا من إيران فك الحصار عن الجزء الغربي من دير الزور بعد 3 سنوات من فرضه من قبل “داعش”، بعد تقدمها إلى المدينة عن طريق بادية حمص.

ويدعي الجيش الروسي أن رئيس النظام السوري، بشار الأسد، استعاد 85% من الأراضي السورية من الجماعات المتطرفة.

وعلى خلفية المكاسب التي حققتها الحكومة السورية فيما يتعلق بالسيطرة على الأرض، تقترب روسيا من جولة جديدة من محادثات أستانا، وفقا لمسؤولين في البلاد، ما قد يؤدي إلى انفراجة فيما يتعلق بأكثر مناطق خفض التصعيد تعقيدًا في إدلب.

والنجاح العسكري والدبلوماسي لدمشق وحلفائها يجبر الدول الخليجية السنية التي توسعت تدريجيًا في وجودها في سوريا، لإعادة تقييم موقفها بشكل أساسي من نتائج الحرب السورية.

وهذا يُعطي انطباعًا بأن موسكو باتت طرفًا في تلك المعادلة منذ وقت طويل، وهي الآن تسعى للاستفادة من ذلك.

“وضع الاستماع”

وفي هذا السياق، كان لافروف خلال رحلته إلى الخليج، في الغالب في “وضع الاستماع”، حيث كان يحظى بفرصة السماع من الحكام السنة لدول وإمارات خليجية، ويتعرف على سياستهم الجديدة.

وكان من بين القضايا التي نوقشت في الخليج احتمال تعزيز مختلف مجموعات المعارضة السورية تحت جبهة موحدة يمكنها التحدث بصوت واحد في جنيف.

وأوضح لافروف، الذي زار أبو ظبي في أواخر أغسطس/آب الماضي، أنه “عندما تقدمت المملكة العربية السعودية بمبادرة توحيد الهيئة العليا للمفاوضات لقوى الثورة والمعارضة السورية، ومجموعة القاهرة ومجموعة موسكو، فقد دعمنا هذه الفكرة”.

وهذا هو التحرك الذي توقعته موسكو لفترة طويلة، وكان من الممكن أن تستعد له من خلال رعاية مجموعات المعارضة “المُروّضة” بدلًا من المجموعات المدعومة من السعودية.

والآن وبعد أن أدركت المملكة العربية السعودية، أن نتيجة الحرب السورية لن تكون في صالحها، فإنها تتطلع إلى تضخيم قدرتها التفاوضية من خلال توحيد جماعات المعارضة المختلفة تحت مظلة واحدة.

روسيا بدورها، لا ترى ذلك بالضرورة تطورًا سلبيًا لاستراتيجيتها في سوريا، لأنه بهذه الطريقة ستمتلك موسكو رأيًا في جدول أعمال المعارضة الموحدة من خلال وجود حلفاء لها منذ فترة طويلة، مثل قدري جميل، ضمن هذه المجموعة.

لكن روسيا، من خلال سماحها للمملكة العربية السعودية بتضخيم صوتها في المحادثات السياسية، ربما تبدو أبعد بكثير عن المحادثات القادمة في جنيف.

وإن مساندة الأسد في السلطة لا تعادل الاعتراف العالمي بانتصاره، كما أن إعادة بلده إلى أركان المجتمع الدولي قد يكون تحديًا مثله مثل الفوز بالحرب.

فمسألة كيفية إضفاء الشرعية على نتيجة النزاع السوري، هي أمر لم تقم الحكومة الروسية بالتفكير فيه بعد.

من خلال الحفاظ على مستوى عالٍ من مشاركة المملكة العربية السعودية، ودول أخرى في التفاوض على الوسائل السياسية للتسوية في سوريا، تسعى موسكو إلى تدويل المسؤولية عن مستقبل البلاد، فضلًا عن تقاسم تكاليف إعادة إعمارها.

آخر ما يريده صانعو السياسة الروسية في هذه المرحلة، هو وراثة سوريا المدمرة التي لن يكون لإعادة إعمارها عوائد مالية لموسكو.

وفي محادثات خاصة، يذهب كبار الدبلوماسيين الروس إلى حد القول بأن العالم لا ينبغي أن يتوقع من الكرملين أن يطرح مشروع قانون إعادة الإعمار السوري.

وضمن تسوية الأزمة السورية، التي كانت معالمها واضحة بالفعل، هناك متغير واحد يبرز، ألا وهو إيران ودورها في سوريا ما بعد الصراع.

وبحسب مسؤولين روس، فإن الرياض أعطت الضوء الأخضر لزيارة سلمان إلى موسكو في أكتوبر/تشرين الأول المقبل بعد أن أعادت جدولها عدة مرات في الماضي.

وبالإضافة إلى الاتفاق على إجماع حول مسألة خفض النفط مع روسيا، أعربت المملكة العربية السعودية خلال الاشهر الماضية عن استعدادها للتعاون مع موسكو حول مجموعة واسعة من القضايا تتراوح من الاستثمارات إلى صفقات الأسلحة.

ووفقًا للمسؤولين الروس، فإن رحلة سلمان إلى موسكو التي سترافقها سلسلة من العقود المربحة يجب أن تدل على حقبة جديدة في العلاقات بين البلدين.

وإن هذه الجهود غير العادية للوصول إلى الكرملين، تدل على محاولات الرياض لتأسيس نفسها كشريك استراتيجي جديد لروسيا في الشرق الأوسط، وتخليص إيران من داعمتها الدبلوماسية الرئيسية على الساحة العالمية.

وكالة الأناضول