أحدث الأخبار

عقب استقالة الحريري وتزايد الاتهامات..هل بات حزب الله أمام استهداف عسكري وشيك؟

Lebanon's Hezbollah leader Sayyed Hassan Nasrallah addresses his supporters via a screen during a memorial service to mourn the death of Hezbollah commander Hajj Ismail Zahri, who died due to illness, in Nabatieh

كثيرة هي الدلائل والمؤشرات التي توحي باقتراب حرب تخوضها أطراف عدة ضد حزب الله اللبناني، حيث تنظر إليه هذه الاطراف باعتباره ذراعا من أذرع النفوذ الإيراني الذي يُراد تحجيمه والحد من تهديداته لدول حليفة أو صديقة للولايات المتحدة في منطقة الشرق العربي والخليج، من بينها إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

المؤشر الأبرز الذي أتاح مساحة واسعة من التكهنات في استهداف وشيك أو بعيد لحزب الله، تمثل في “الانقلاب الدراماتيكي” في موقف رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري الذي أعلن، قبل يومين، استقالته بخطاب متلفز من العاصمة السعودية الرياض، وأثار جدلا واسعا في دلالات الزمان والمكان الذي أعلن منه، كما ان هذه الاستقالة جاءت بعد يومين من لقاء جمعه في بيروت مع علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، الذي وصف عقب اللقاء ما حققته الحكومة السورية بأنه “انتصار ونجاح كبير”.

كما أن الاستقالة جاءت بعد أسابيع من زيارة وزير الدولة السعودي ثامر السبهان للعاصمة اللبنانية في سبتمبر/أيلول الماضي حيث تؤكد المعلومات أنه وضع حكومة الحريري أمام ضرورة تبني خيار القطيعة مع حزب الله اللبناني، بما يُفهم منه “إعلان حرب” سعودية مفتوحة الاحتمالات على حزب الله اللبناني الذي وجّه له التحالف العربي بقيادة السعودية مؤخرا تهمة السعي لتشكيل فرع له في اليمن والوقوف وراء إطلاق صاروخ على مطار الملك خالد في الرياض.

المضي قدما باتجاه التصعيد أو شن عمليات عسكرية ضد حزب الله بات إذن أمرا مستساغا نظرا في ضوء ما أشرنا إليه بـ “الانقلاب الدراماتيكي” لرئيس الحكومة المستقيل على حزب الله، بعد سلسلة من التنازلات التي قدمها للحزب على مدى أكثر من عام، بدءا من الصمت المطبق على الانتهاكات الموثقة لمقاتلي الحزب ضد المدنيين السوريين داخل الأراضي السورية، وقتاله إلى جانب قوات الرئيس السوري بشار الأسد، وانتهاء بإطلاق يد الحزب للهيمنة بشكل واسع على المناصب الحساسة التي أتاحت له شن عملية عسكرية بقرار منفرد ضد مقاتلي بعض التنظيمات في سهل البقاع والقلمون في لبنان، إضافة إلى تاييد الحريري للمرشح الرئاسي الجنرال ميشيل عون المقرب من حزب الله والحكومة السورية المتهمة باغتيال والده رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005.  وهي مواقف في جلها اعطت انطباع بضعف كتلة المستقبل السنية أمام ثقل متزايد لحزب الله في لبنان، وهو “الضعف” الذي صار اللبنانيون ينظرون إليه كأمر واقع.

لكن اللافت في خطاب الاستقالة لغة “التهديد” التي أعلن عنها الحريري ضد حزب الله في ثنايا الخطاب، حيث شدد أن “حزب الله، يوجه سلاحه إلى صدور اللبنانيين وإخواننا السوريين واليمنيين”، وبات دولة داخل دولة بدعم من إيران ، وفي إشارة إلى الحزب، قال إن “أيدي إيران في المنطقة ستُقطع”.

في ضوء ما سبق، ستدفع حتما استقالة سعد الحريري لبنان والمنطقة ثانية إلى واجهة التنافس الإقليمي السعودي الإيراني بما قد يؤدي إلى تفاقم التوترات على عدة أصعدة، منها الطائفي السني الشيعي وعلى صعيد آخر قد يدفع أيضا باتجاه إشعال فتيل مواجهة عسكرية ضد حزب الله في الجنوب اللبناني، بشراكة إسرائيلية أمريكية وربما مع حلفاء عرب.

وما قد يغذي احتمالات المواجهة العسكرية أيضا دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل واضح وقوي لتوجهات المملكة العربية السعودية وحلفاء المملكة في مواجهة “التهديدات” الإيرانية؛ لكن في المقابل، ليس ثمة ما يشير إلى أن ايران ستخوض مواجهة عسكرية مباشرة في سياق استراتيجياتها التي اعتمدت دوما على خوض حروبها خارج حدودها الجغرافية من خلال توظيف قوى محلية تدين لها بالولاء مثل حزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي وعشرات المجموعات الشيعية المسلحة المنتشرة على الأراضي السورية، إضافة إلى حركة انصار الله (الحوثي) وشبكة واسعة من الخلايا “النائمة” في دول خليجية عدة.

من جهته، وفي خطاب القاه الأحد الماضي، اتهم الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، السعودية بـ “اجبار” رئيس الحكومة اللبنانية على الاستقالة، داعيا على غير عادته، إلى الهدوء والتشاور مع القادة اللبنانيين حول الخطوة المقبلة، في إشارة واضحة إلى احتمالات عدم استقرار الداخل اللبناني وحالة القلق التي دفعت دولا كالبحرين إلى أن تطلب من رعاياها “مغادرة لبنان فورا”.

أما إسرائيل فقد أظهرت في مناسبات عدة موقفها الأكثر تشجيعا على شن حرب واسعة النطاق على حزب الله؛ وكان منطقيا أن تستغل إسرائيل استقالة الحريري لتوجيه انتقادات “حادة” للنفوذ الإيراني في لبنان داعية على لسان رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو إلى “إيقاظ المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات” لم يحددها ضد ما وصفه بـ “العدوان الإيراني”.

الولايات المتحدة تبدو هي الأخرى في اتجاه مؤيد لإضعاف قدرات حزب الله العسكرية.. فهي لئن وضعت هزيمة تنظيم داعش الإرهابي على رأس أولويات سياساتها في العراق وسوريا منذ أحداث الموصل 2014، إلا أن التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا في العام 2015 إلى جانب قوات الحكومة السورية المتحالفة مع إيران وحزب الله اللبناني ومجموعات شيعية مسلحة ترعاها إيران، دفع الولايات المتحدة إلى تبني استراتيجية “ثنائية الاتجاه” تتمثل في هزيمة تنظيم داعش والحد من اتساع النفوذ الإيراني وتحجيمه على الأراضي السورية.

ومع نهاية سيطرة تنظيم داعش عمليا على آخر المراكز الحضرية في سوريا وطرده من مدينة “دير الزور” على يد قوات النظام السوري، بات التفرغ لمواجهة التهديدات الإيرانية أولوية أمريكية بالشراكة مع الحلفاء العرب وإسرائيل، وفي هذا الإطار يبرز استهداف حزب الله اللبناني في مقدمة الأولويات الامريكية الراهنة كأحد أهم الأذرع الإيرانية المعززة للنفوذ الإيراني في سوريا ولبنان.

وبالتوازي مع الساحتين السورية واللبنانية، وفي مواجهة إيران والقوى المحلية الحليفة لها، تدفع الولايات المتحدة بحلفاء تقليديين مثل دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية لتوحيد الجهود مع العراق في قضية مشتركة تهدف إلى مواجهة تصاعد التهديدات الإيرانية في المنطقة، ضمن حزمة من الحوافز المقدمة للعراق في إطار مجلس تنسيق عراقي سعودي مشترك لجذب العراق بعيدا عن السياسات الإيرانية، في مقابل المساهمة في إعادة إعمار المدن التي خربتها الحرب ضد تنظيم داعش منذ عام 2014 بقيادة التحالف الدولي.

ويمكن أيضا إدراج المصالحة التي عقدتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع السلطة الفلسطينية برعاية مصرية ودعم أمريكي وخليجي في سياق مساعي إبعادها عن التاثير الإيراني و”ضمان” وقوف الحركة على الحياد في حال وقوع مواجهة متعددة الأطراف ضد حزب الله اللبناني.

المواجهات المحتملة أو الحرب المفتوحة ضد حزب الله اللبناني قد تعني في وجهها الآخر سعي الولايات المتحدة لمواصلة الصراع مع إيران من خلال إسرائيل وشركاء آخرين؛ لكن ستظل مثل هذه المواجهة المحتملة رهنا بخلق الذريعة لاشعال فتيلها، وليس من المتوقع أن تبادر ايران أو حزب الله لاعطاء هذه الذريعة للطرف الآخر الذي سيظل بدوره مترددا في مباشرة الحرب.

لا توجد في المدى المنظور أي مؤشرات أو دلائل واقعية يمكن التعويل عليها في تعرض إسرائيل لهجوم مباغت من حزب الله اللبناني مع واقع حالة عدم الاستقرار في لبنان محليا، وتعدد الجهات الفاعلة غير الحكومية، وانفراد الحزب بقرار الحرب والسلم في لبنان؛ لكن ثمة مؤشرات أو بوادر في ضوء ما سبق عرضه من مواقف على أن المواجهة المحتملة ستكون من خلال تعرض حزب الله لهجوم عسكري وضربات جوية تنفذها إسرائيل وشركاء لها إقليميون ودوليون يتبنون استراتيجية الحد من التهديدات الإيرانية.

TRT العربية – وكالات