أحدث الأخبار

مقروئية الطفل العربي .. الهزالة أمام التكنولوجيا؟

42040

تقول دراسة أخيرة نشرتها الألسكو أو المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بالتعاون مع منظمة اليونسكو، إن الإقبال على المطالعة في العالم العربي “هزيل” في زمن ثورة التكنولوجيا، بالذات في الوقت الذي تتوالى فيه معارض الكتب العربية والفعاليات التي تحث على القراءة ونشر ثقافة المطالعة،وبينها مهرجان الشارقة القرائي للطفل في دورته الثامنة حاليا.

لكن إذا كانت الدراسات المعتمدة عن نسب القراءة في العالم العربي، تتوجه إلى الشرائح المجتمعية ما فوق الثامنة عشر، فإن نسبة مقروئية الطفل العربي وماهية ما يقرأه تظل مغيبة، بحيث لا نعرف كم يقرأ أطفالنا أو ماذا يقرؤون.

وفي سؤال طرحته “TRT العربية” على بعض الأطفال زوار مهرجان الشارقة القرائي للطفل عن “ما الذي يقرؤونه؟ وما الذي قد يحبون قراءته؟” تباينت أجوبة الأطفال.

عُمر طفل في العاشرة، قال إنه قدم إلى المهرجان ليبحث عن كتب المغامرات، وهو ما علقت عليه والدته التي تصحبه بالقول إن “هذه النوعية من الكتب هي الأكثر جذبا له، بل إنه لا يهتم بغيرها”.

من جهتها قالت السيدة رزان، أم سورية مقيمة بالإمارات، صحبت ولديها (3و4 سنوات) إلى المهرجان، إن ابنيها في هذه السن يميلون أكثر إلى الكتب التي تتحدث عن عالم الحيوانات، وهي لا تمانع ذلك حسب قولها طالما أنها وزوجها يحرصان على القراءة لابنيهما “بشكل متنوع يوميا”.

وحسب شهادات فحضانات الأطفال أيضا تعتمد التنشئة على قراءة القصص للأطفال في سن مبكرة، وبهذا الخصوص يتبدى حرصها على أن يتعود الأطفال على سماع القصص، الأمر الذي ينمي خيالهم وإدراكهم، وفي هذا الإطار تخصص الحضانات يوميا ساعة قراءة للأطفال ضمن برنامجها التعليمي.

لكن الأمر لا يخلو من صعوبة، فبرأي المشرفين على الحضانات الذين التقتهم “TRT العربية” فالأطفال يميلون أكثر إلى الألعاب الطينية والتركيبية، ويملون من القراءة الطويلة، لذا تعمد المدرّسات إلى دمج المواد التعليمية والسلوكية بالقصص التربوية.

وفيما تتوالى تصريحات الأطفال والتلاميذ زوار المهرجان عن “ميل أكبر إلى الإلكترونيات والقصص المدمجة بالصوت والقصص المصورة” يقول أحمد وهو تلميذ في الثانية عشر من عمره، إنه “قارئ نهم” وأتم لتوه قراءة مسرحية “هاملت لشكسبير” الأديب الإنجليزي الذي يعشقه حسب قوله.

ويرى أحمد أن “أي كتاب يحمل روحا إنسانية جدير بالقراءة، بغض النظر عن مناسبته لعمر القارئ، كشكسبير الذي يقرأه عادة أشخاص أكبر سنا”. ويميل أحمد أيضا إلى قراءة قصص الأكشن والخيال العلمي والكتب التقنية التي تتحدث عن المحركات والميكانيك وهو الشغف الذي ورثه عن والده المهندس البحري.

ويرجع أحمد اهتمامه بالقراءة أيضا إلى دور مشترك لوالديه، اللذان اشتريا له منذ عمر الرابعة قصصا وكتبا، وزرعا فيه حب القراءة حتى تحولت إلى عادة حيوية بالنسبة له، فيقرأ حاليا وبشكل يومي لساعة من الزمن أو أكثر.

ولا تختلف التلميذتان لين 14 سنة، ورونق 13 سنة عن أحمد كثيرا، فالاثنتان تحبان القراءة باللغتين العربية والانجليزية، لكنهما تميلان أكثر إلى قراءة الروايات، هذه الأخيرة حسب قوليهما “تبني ذات القارئ داخليا”.

ويعود الفضل في تشبتلين ورونق بالقراءة، إلى عاملي الأسرة التي تشجع على المطالعة والعلم، والمدرسة التي تخصص مكتبة جيدة لاطلاع التلاميذ في أوقات الفراغ.

وتلفت انتباه الزائر لمهرجان الشارقة القرائي للطفل، عناوين كتب الأطفال باللغتين العربية والإنجليزية، في حضور طاغ  لها عن بقية اللغات، وهو ما يفسره أحمد بالقول إن “هناك تنوعا في القصص والمواضيع التي تتناولها الكتب الإنجليزية، إضافة إلى أنها تحفز القارئ على التفكير، فيما الكتب العربية سهلة الحبكة ومصورة بشكل بسيط” وهو ما لا تتفق معه كثيرا لين ورونق، فيما يخص الروايات تحديدا، فهذه الأخيرة برأيهما يمكن أن تكون غنية عبر جمعها بين الواقع والخيال، بينما توافقان أحمد على قوله أن الكتب العربية “تقوي لغة القارئ العربي”.

ومن الصادم معرفة رأي فاطمة بنعبو، مسؤولة بدار دبليو اج سميث البريطانية، بمقروئية الطفل العربي، عندما تصفها بـ”المنعدمة” و”المتشبعة بكتب لا مضمون أدبي أو علمي قيم لها”. فمن خلال اشتغال بنعبو القريب مع الأطفال عبر المعارض ومن خلال دار النشر، تستطيع القول حسب تصريحها لـ”TRT العربية” بأن الزوار من الجنسيات الأجنبية هم الذين يقبلون على شراء الكتب ويبدون اهتماما بمناقشتها، في حين  أن الزوار العرب يكتفون بإلقاء نظرة أو شراء كتب نكث وألعاب ورسومات.

وترجع بنعبو، السبب وراء ذلك إلى إيمان الأسر بثقافة القراءة “لا إلى انتشار ثقافة القراءة بشكل عام من عدمه” دليلها على ذلك أن ذات الوسط العربي تعيش وتتعايش فيه أسر أجنبية تقرأ وأسر عربية لا تقرأ.

من جهته يرى محمد صالح المعالج، رئيس دار كنوز للنشر والتوزيع التونسية، ورئيس اتحاد الناشرين التونسيين، في لقاء سابق مع “TRT العربية” أن المشكلة الأساسية في ضعف مقروئية الطفل العربي ليست في ضعف المضمون أو تفكك المحتوى، بل في تكريس غياب ثقافة القراءة بالمجتمعات العربية “بدليل أن هناك طلبا على ترجمة الكتب العربية إلى لغات أخرى، من قبل معارض كتب مهنية كبولونيا وفرانكفورت”.

كذلك هناك برأي المعالج “رسوم قصص أطفال جيدة على المستوى العربي، وبات الرسامون العرب يحصدون نجاحات عالمية عبر أعمالهم”.

وحذر المعالج من “أزمة عربية على مستوى القراءة” تلوح علاماتها في تدني مستوى القراءة لدى الأطفال بشكل أساسي، وفي اضطرار ناشري كتب الأطفال إلى تغليف إصداراتهم بعوامل جذب إلكترونية، أو تطعيمها بإضافات كجعل القصص على هيئة سيارة مثلا، وهو ما يصفه المعالج بالقول “نتحايل على الأطفال ليقرؤا”.

وكحلول لمواجهة عزوف الأطفال عن القراءة، يقترح المتحدث نفسه أن تراجع المناهج التربوية من بدايتها، لأن “من أبرز مهام المدرسة صناعة قارئ اليوم والغد” مطالبا بإدماج حصص المطالعة في المراحل الأولى من التعليم.

كذلك يرى المعالج، أن على الآباء أن يكونوا قدوة لأبنائهم، فيحمل الأب على سبيل المثال كتابا أمام طفله، ويعوده على تخصيص حيز زمني يومي للقراءة “لا استغناء عنه”.

TRT العربية