أحدث الأخبار

تأثير المجتمع على الفرد في ظلّ تجربة “سولمون آش”

conscious_universe398_02

حياة المرء منّا لا تخلو من قراراتٍ اتّخذها أو أفكارٍ اعتنقها فقط ليتماشى مع من حوله أو يسعى لإرضائهم كي لا يكون المختلف الوحيد عنهم. فهل سبق وكنتَ وسط مجموعة من الأشخاص ترى رأيًا مغايراً لرأيك ووجدتَ نفسكَ محصورًا بين خياريْن اثنيْن دونما إرادة منك؛ إمّا أن تتمسّك برأيك وتدافع عنه رغم كل الآراء المغايرة حولك، أو أنْ تخضع لرأي الأغلبية حتى وإن كنتَ متأكدًا تمامًا من صحة ودقة ما تحمله؟ هل فكرت من قبل إلى أي مدى يمكن للمجموعة أن تأثر على الفرد، وعلى أفكاره وقراراته ومبادئه؟

علم النفس مليء بالأبحاث والتجارب حول تأثير المجموعة على الفرد أو تبعيّة الفرد للمجموعة، وَلعلّ أبرزها كانت تجربة العالم البولندي “سولمون آش” التي أجراها عام 1951 لدراسة إلى أيّ مدى يمكن للفرد أن يغيّر أفكاره أو أفعاله تحت تأثير أقرانه أو المجموعة من حوله.

كيف سارت تجربة آش؟ the-asch-conformity-experiment_scruberthumbnail_3Asch_experiment

استعان “آش” بطلابٍ متطوعين من كلية سوارثمور  في أمريكا ليقوموا بالتجربة، غيرَ أنّهم شاركوا فيها ظانّين -كما أخبرهم آش- أنها تجربة لفحص النظر ليس إلا. ثمّ قام بتقسيم التجربة على مجموعات من 8 أشخاص -كل مجموعة تحتوي 6 من مساعديه بينهم متطوّع واحد فقط من الطلاب-.

وانطلقت التجربة من مبدأ بسيط جداً، إذ عُرضَ للمتطوعين 3 خطوط عمودية بأطوال مختلفة وإلى جانبها خط واحد عموديّ طوله مشابه لطول أحد الخطوط الثلاثة، ثمّ طُلب منهم تحديد الخط المطابق طوله لطول الخط الوحيد المجاور.

الإجابة كانت واضحة جدًا. مساعدو “آش” الـ7 كانوا متفقين مُسبقًا على إجابة موحّدة. والمتطوّع الحقيقي كان الأخير دومًا في إعطاء الإجابة.

ضمت التجربة 18 مرحلة، ومساعدو “آش” قدّموا إجابةً خاطئة في 12 منها. “آش” راقبَ -مستمتعًا- فيما إذا كان المتطوّع الحقيقي سيغيّر رأيه ويخضع لإجابات بقيّة مجموعته الخاطئة أم سيجيب الإجابة الصحيحة الواضحة ضاربًا بعرض الحائط إجاباتهم الغريبة وغير المتوقعة.

ماذا كانت نتيجة التجربة؟

لاحظَ “آش” ما يلي:

1) 32% من المتطوعين -أي ما يقارب ثلثهم-، رضخوا لإجابات المجموعة وقدّموا إجابات خاطئة في أكثر من نصف المراحل رغم إبدائهم للاستغراب والتعجّب -كما يظهر في فيديو التجربة- على الإجابات الخاطئة التي تمّت أمامهم.

2) 75% من المتطوعين  قدّموا إجابةً واحدة خاطئة على الأقل.

3) 25% فقط من المتطوعين كانوا مستقلين تمامًا ولم يغيّروا إجاباتهم.

ماذا نستنتج؟

معظم المتطوعين بعد التجربة صرّحوا أنه على الرغم من ثقتهم بأنفسهم ومن إجاباتهم إلا أنهم كانوا خائفين من مواجهة المجموعة، بينما خشيَ البعض الآخر من السخرية في حال قاموا بالإجابة الصحيحة إلى درجة أنّ الشك تسلّل إلى عقولهم.

 

توصّل “آش” إلى سببين رئيسيين لامتثال الأفراد وخضوعهم لرأي الأغلبية:

السبب الأول: الرغبة في القبول من قِبل المجموعة، فيما يُعرَف علميًّا بظاهرة “التأثير الاجتماعي المعياري  (Normative Social Influence)”، فإذا كنتَ قد شعرتَ بالسّخرية، أو تعرّضت للتهكّم، أو حتّى الرّفض في يومٍ من الأيّام لمجرّد خروجك عن المألوف أو لاختلافك عمّن حولك، فلقد جرّبت الضّغط النّاتج عن التأثير الاجتماعي المعياريّ.

السبب الثاني: الرغبة في أن نكون محقّين. فعندما نكون غير واثقين أو متشكّكين في قراراتنا أو صحّة حُكمنا على الأمور، فإنّنا ننظر إلى من حولنا كمصدر للمعلومات الموثوقة أو الصحيحة. ظاهرة تُعرَف علميًّا بـِ “التأثير الاجتماعي المعلوماتي (Informational Social Influence)”

تجربة “آش” لم تكن الأخيرة ، فقد تبعتها عدة تجارب ودراسات حول هذا الموضوع. والمتمعِّن جيداً بالتجربة يستطيع الربط بينها وبين كثيرٍ من الأحداث الواقعية في حياتنا في الآونة الأخيرة. بدءاً من خضوع الفرد لأفكار أصدقائه أو أسرته على مستوىً صغير، أو خضوعه لحزبٍ أو مؤسسة سياسية على مستوىً أكبر، الأمر الذي يؤدي في أحيانَ كثيرة إلى أخطاء كبرى في المجتمع كان من الممكن تجاوزها. والإفراط في التبعية يولّد مجتمعًا يحرم الفرد من قدرته على التفكير واتّخاذ القرار، فكأنَّ المجموعة تقول: لا تضيّع وقتكَ بالتفكير فنحن نفكّر عنك. وهذا مع الأسف هو ما تتّبعه الأنظمة والسياسات الحاكمة في بعض الدول والمؤسسات.

غيرَ أنّنا لا يجب أن ننسى أنَّ التبعية لا تخلو من وجهٍ إيجابيّ وخيّر في بعض الأحيان، وأنَّ وجهها السلبيّ يمكن تجاوزه في أحيانَ أكثر. “آش” نفسه طرح بعد تجربته السؤال التالي: “كيف نُسكت ما نسمّيه بسلوك القطيع (التبعية) داخلنا؟”

وأجاب: “في اللحظة التي يتبنّى فيها شخصٌ آخر وجهة نظرك الخاصة، فمعنى ذلك أنك تقاوم مبدأ التبعية لغيرك.”